محمد بن الطيب الباقلاني

256

الإنتصار للقرآن

وأما قول ابن عباس : « كان المسلمون لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فيعلمون أنّ السورة قد انقضت » فإنّه لا تعلّق فيه لأمرين : أحدهما : أنّ قوله حتى تنزل بسم اللّه الرحمن الرحيم إخبار عن ظنّه أنّها [ 148 ] تنزل لاعتقاده كونها قرآنا ، وليس في اعتقاده لذلك وإخباره / به لا عن توقيف الرسول : حجّة . الوجه الآخر : أنّ قوله : ( حتى تنزل ) محتمل لأن يكون تحقيقا لنزولها ، وأنّ الرسول وقف على أنّ الملك ينزل بها ، ويحتمل أن يكون أراد على أنّها كلام تفتتح به السور ويعرف بها انقضاء ما قبلها ، ويكون علامة لذلك وإن لم يكن قرآنا منزلا أمام السور ، لأنّه قد ينزل الملك على الرسول بقرآن وما ليس بقرآن من الوحي . وقولهم بعد ذلك : « ظاهر قوله ( ينزل ) يقتضي أنّها منزلة قرآنا » لا حجّة فيه ، لأنّه قول يحتمل ، لأنّ الظاهر والإطلاقات غير مقنعة في إثبات قرآن منزل مقطوع به على اللّه سبحانه ، فبطل ما قالوه . وهذا الجواب عما روي من قول ابن عباس : « كان جبريل إذا أتى النبيّ صلى اللّه عليه ببسم اللّه الرحمن الرحيم علم أنّها قد ختمت سورة فاستقبل الأخرى » ، لأنّها قد جعلت علامة للرّسول ولغير ذلك عند التلاوة والكتابة ، وإن لم يكن من القرآن . فأمّا ما روي عن أم سلمة من أنّ النبيّ صلى اللّه عليه كان يعدّ بسم اللّه الرحمن الرحيم آية فاصلة فإنّه من أخبار الآحاد التي لا نعلم بثبوتها اضطرارا واستدلالا ، وقد بيّنّا فيما سلف بما يزيل الشكّ والرّيب أنّ رسول اللّه صلى